صغيرة.. لكنها جميلة جداً !
كثيرة هي الذكريات الجميلة التي
يحملها كل واحد فينا
لمواقف... صغيرة وبسيطة
لكنها تركت في نفسه أثراً عظيماً...
أنا شخصياً لا أنسى ما حييت
(نصف خيارة!)
أعطانيها شيخ جليل في السبيعين من عمره
عندما رآني أرتّب بعض المصاحف في المسجد قبل ثلث قرن من الزمان!!
لقد كان لها طعم خاص... ليس كبقية الخيار الذي أكلته طول حياتي..!!
لأنها حملت لي رسالة تقدير صغيرة على ذلك الجهد البسيط..
حدثني أحد الأصدقاء قائلاً: نشأ خلاف بيني وبين زوجتي ذات مرة...
أدّى إلى قطيعة استمرت ثلاثة أيام...
وفي اليوم الرابع وبينما كنت عائداً إلى البيت من عملي ...
وجدت ولداً يحمل ورداً أحمر ويصيح:
الوردة بعشرة قروش..!
فأعجبني شكلها ورخص سعرها..! واشتريت واحدة منها،
ولما كان الولد لا يحمل أكياساً فقد اضطررت لحملها في يدي كما هي..
ثم اقتربت من البيت ..
وأنا أتخيّل الاستقبال الجافّ الذي ستستقبلني به زوجتي
كعادتها أيام الخلاف...
دخلت البيت بحذر !
وإذ بزوجتي تستقبلني بابتسامة عريضة! وهي تنظر إلى الوردة الحمراء في يدي..!
ثم قالت: لقد شفعت لك الوردة هذه المرة!! ولكن لا تعد إلى المشاكل مرة أخرى!!!
يوجّهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نحقر من المعروف شيئاً...
أيّ أن لا نستصغر أيّ عمل من الخير والإحسان
مهما كان بسيطاًَ فربما كان أثره في نفوس الآخرين عظيماً جداًَ...
ولقد ضرب لنا مثلاً غايةً في البساطة على ذلك
وهو أن نلقى الآخرين بابتسامةٍ وبشاشة! فهل هناك أسهل من ذلك؟!
ومع ذلك فكثير من الناس يبخلون بمثل هذه الابتسامة!!
ذات عمرة من العمرات التي أكرمني الله بأدائها
جلس في المقعد ورائي شاب كثير الكلام كثير المزاح !
ولمّا كنت أحبّ النوم أثناء السفر
فقد شعرت بالضّيق الشديد من صوته الذي أيقظني أكثر من مرة!
وقلت في نفسي ليت هذا الشاب لم يكن معنا في هذه الرحلة...!
وقبل أن نصل المدينة المنوّرة، على ساكنها أزكى الصلاة والسلام
وقفنا نصلّي ونستريح في أحد المساجد، فمددت جسدي أريد الراحة قليلاً... وبينما أنا بين النّوم واليقظة...
سمعت الشابّ نفسه يقول:
أخشى أن يصاب (الشلتوني) بالبرد من المروحة الدائرة فوقه !
ثمّ خلع سترته وغطّاني بها!!
وعلى الفور شعرت بالامتنان الشديد نحوه، وهكذا ترافقنا بعد ذلك بقيّة الرحلة المباركة، وتواصلت علاقتنا بعد عودتنا إلى الديار...!
إن أبواب البرّ أكثر من أن تحصى
وليست كلّها مكلفة أو تحتاج جهداً كبيراً... ولقد عرض لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نماذج كثيرةً من ذلك،
مثل؛ أن تفسح لأخيك في المجلس ...
أو تعينه على ركوب الدابّة...
أو تناديه بأحب الأسماء إليه...
أو أن تفرغ من دلوك في دلوه....
أو ترد السّلام بأحسن منه...
أو تميط الأذى عن الطريق...
أو أن تتصدق بنصف تمرة... إلخ...
وهكذا فلن يعدم أحدنا الأجر والتقرّب إلى الله أولاً...
ثم بعد ذلك كسب قلوب الناس...
ونشر فعل الخير بين الناس...
بدل الأنانية والغلظة وسوء المعاملة السائدة في هذا الزمن!!
ولا شكّ أنّ مثل هذه المواقف
تعود على فاعلها نفسه بالأثر الرائع،
حيث أن الدراسات العلمية تقول:
أنّ من أهمّ مصادر الحصول على السعادة...
هو أن تدخل السعادة على الآخرين.!!
حدثني أحد أقاربي قال:
لقد وفّقني الله تعالى أن أتبرع ذات يوم بمبلغ محترم لمؤسسة خيريّة ناشئة وعدت إلى البيت سعيداً بهذا الإنجاز... وفي اليوم التالي ...
أخبرتني زوجتي أنني قد نمت نوماً عميقاً هادئاً... كما ينام الأطفال!!
وأضافت: لم أرك تنام بهذه الصورة منذ تزوجنا!
ربّما كان المبلغ الذي تبرع به قريبي كبيراً... لكنّ شرطيّاً دخل محلي
قبل أيامٍ قليلة دفع
(عشرة قروش فقط) ثمن بالونٍ لطفلٍ جعلني أحترمه وأتمنّى لو أنّ نصف رجال الأمن في بلاد العرب بمثل أخلاقه الجميلة!!
فقد صافحني ببشاشة عند دخوله محلّي... وبعد قليلٍ دخل الطفل ووالده فقال الوالد لابنه:
هذا شرطيّ فسلم عليه يا بابا!
فأقبل الطفل وسلّم على الشرطيّ
(وهو ضابط برتبة محترمة)
فما كان منه إلا أن انحنى وقبّل يد الطفل الصّغير !
ثمّ أصرّ أن يشتري له (بالون) على حسابه! ولولا حرصي على أن يبقى الموقف نبيلاً ومحسوباً بالكامل للضابط، لما رضيت أن آخذ المبلغ منه!
يحضرني في هذا المقام مواقف وقصص لا تحصى... غير أنني لا أريد الإطالة عليكم..
لكنني آمل من قرّائي أن لا يبخلوا على أنفسهم بالكثير من السعادة
التي سوف يجنونها جرّاء مواقف صغيرة يدخلون بها السعادة على الآخرين...
ناهيك عن
الأجر العظيم
عند الشكور الكريم!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق