الثلاثاء، 12 فبراير 2008

يا لها من حلاوة..!


يا لها من حلاوة..!
دخلت البنك على عجل.. لأودع فيه مبلغاً من المال أسدّ به شيئاً من شهية "الشيكات" المنهمرة فوق رأسي كالمطر في هذا الشتاء القارص!!
وما أن بدأت بعدّ النقود التي أحضرتها معي حتى فوجئت بنقص كبير في المبلغ!
أخذت أحسب وأحسب وأجمع وأطرح مراراً ..كم كان معي بالأمس؟
ومالذي دفعته قبل أن أصل إلى البنك؟
غير أن ذلك لم يوفر تفسيراً عن المبلغ المفقود!
وهكذا أودعت المبلغ الباقي في البنك وخرجت ذاهلاً عما حولي... متحيرا متسائلاً أين ذهب المبلغ الناقص؟!
وأخذت أقود سيارتي ..يشغلني ذلك الأمر حتى وقفت على الإشارة الضوئية... ولم أنتبه إلى اللون الأخضر إلا بعد أن صاحت بي أبواق السيارات من خلفي غاضبة متسائلة: ماذا تنتظر؟!.. وقد كنت الأول أمامهم!
-مع أنني أتعجّب دائماً من أولئك الذبن يكونون في أول طابور الإشارة ثم يتأخرون عن الحركة عند فتحها!-
وبدأ الشيطان يوسوس لي: من ذا الذي أخذ المبلغ مع أنك لم تخرج من البيت إلا إلى البنك مباشرة؟!. فهل يا ترى أخذه أحد من البيت؟!... أعوذ بالله من الشيطان... ولكن أين ذهب المال؟ !
وهكذا صرت في دوامة مزعجة من الأسئلة والشكوك لأكثر من ساعتين..
حتى لمع الجواب فجأة في ذهني واضحاً جلياً فقد كنت قد دفعت المبلغ في الصباح الباكر لمدرسة إبني الخاصة عندما أوصلته إلى هناك! لكنني نسيت الأمر لأنني لم أخطط له إلا في لحظته..
وهنا فقط شعرت بالراحة الكبيرة...
والسعادة الغامرة... والطمأنينة لأنني لم أفقد المال... ولم أفقد الثقة بمن حولي!
ويا له من شعور لذيذ له حلاوة ليست بعدها حلاوة!!
حلاوة أن تجد الشيء بعد فقدانه!
إنها تساوي في لذتها مرارة الفقد والقلق واللهفة على المفقود!
يقولون إن أعرابياً فقد جمله ذات يوم.. وبعد أن بحث عنه طويلاً ويئس من العثور عليه أخذ يصيح في الناس: لقد فقدت بعيري ومن وجده فهو له!!
فتعجب الناس وسألوه: لماذا تبحث عنه ما دمت قد جعلته مكافأة لمن يعثر عليه؟!
فأجاب ألا تعرفون حلاوة الوجدان؟!!
في أيام المواسم التي يزدحم فيها السوق تتكرر ظاهرة فقد الأمهات لأبنائهن وضياع الأطفال عنهن!!....... ولقد شاهدت هذا الموقف مراراً..... فلم أجد أجمل من لحظة لقاء الأم بولدها بعد الفقدان...!
رغم أن بعضهن تبادر إلى ضرب ابنها عند لقاءه!!..... متذرعة بأنه ابتعد عنها عاصياً لأمرها بالبقاء قريباً منها!!
والصحيح أنه لا لوم على الطفل فهو ناقص الإدراك لا يعرف عاقبة البعد عن أمه.... وربما رأى امرأة تشبه أمه فتخيلها هي ومشى وراءها طويلاً قبل أن يكتشف خطأه...!
وبصراحة ..فقد حدث هذا معي عندما كنت صغيراً!
والأسواق ببهرجتها تخطف عقول الكبار أحياناً فكيف بالمساكين الصغار؟!
سعادتي بالعثور على ضالتي"المبلغ" حملتني على الفور إلى ذلك الحديث النبوي الجميل الذي يشبّه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح الله تبارك وتعالى بتوبة عبده العاصي..... بفرح الرجل الذي فقد بعيره في الصحراء وعليه طعامه وشرابه.... حتى إذا أهلكه الجوع والعطش والتعب نام ينتظر الموت...!
لكنه عندما استيقظ وجد بعيره واقفاً أمامه وعليه زاده كاملاً ففرح فرحاً عظيماً...
جعله يخطئ في شكر ربه فيقول" اللهم أنت عبدي وأنا ربك!!!" ....من شدة الفرح!!!
لكن الحديث يخبرنا أنه تعالى أشد فرحاً من ذلك الرجل عند توبة العبد العاصي!!
فأيّ إله ذلك الذي يفرح هذا الفرح الشديد بتوبة عبده رغم غناه عن عباده كلهم بل عن الكون بأسره!! فسبحانه وتعالى ما أعظمه...!! وما أعظم تقصيرنا في حبه وطاعته...!!
كانت هذه الخواطر تدور في ذهني... عندما سمعت أبواق السيارات خلفي...تحثّني على الحركة عند الإشارة الضوئية مرة أخرى!!!
أجل.. في اليوم نفسه!!!! ولكن في هذه المرة شغلتني عنها
حلاوة الوجدان!!
صدّقوني هذا ما حصل بالفعل...!

ليست هناك تعليقات: